محمد جواد مغنية

85

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

وتجردوا للواقع - لا بد أن ينتهوا إلى أنها لا تنحصر بالعقل ، أو التجربة أو غيرهما ، بل تشتمل الجميع كلا في ميدانه ودائرة اختصاصه . وهذه النتيجة يمكن استفادتها من أقوال أهل المنطق ، وعلماء الكلام ، حيث قسموا الدليل إلى ثلاثة أقسام : القياس « * » والاستقراء والتمثيل . والقياس عندهم أشرف الأدلة ، ويتألف من قضايا عقلية وغير عقلية على أن تكون مسلما بها عند المخاطب . وكيفية الاستدلال بالقياس هي أن تنتقل من الكلي إلى الجزئي ، من حالة عامة إلى حالة خاصة . كقولك : كل انسان فان ، وسقراط انسان ، فسقراط فان ، فالحكم الثابت للعامّ قد أعطيته للخاص . أما دليل الاستقراء فبالعكس ، وهو الانتقال من حوادث جزئية إلى حكم كلي . وهو ينقسم إلى تام وناقص ، فالتامّ أن تتبع أفراد الكلي فردا فردا فتراها على وتيرة واحدة ، وفي هذه الحال تستخرج منها حكما كليا يشمل جميع الأفراد . مثال ذلك أن ترى الأرض تدور حول الشمس ، ثم ترى زحلا وعطارد والمريخ والمشتري والزهرة وغيرها من الكواكب كذلك ، وبعد التتبع التام تصدر حكما كليا على الجميع . وتقول : كل كوكب يدور حول الشمس . وأما الاستقراء الناقص فهو أن تتبع أكثر الأفراد لا كلها ، ثم تنشىء حكما عاما على الجميع . مثاله ان ترى الناس والبهائم والسباع تحرك فكها الأسفل عند المضغ . فتقول : كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ ، مع أنه يحتمل أن يكون حال بعض الحيوانات التي لم ترها تحرك الفك الأعلى ، لا الأسفل ، كالتمساح .

--> ( * ) قسموا القياس أربعة أقسام : ( 1 ) القياس البرهاني ، وهو الذي يثبت الواقع ( 2 ) القياس الجدلي ، وهو لا ينفي ولا يثبت ، ولكنه يفحم الخصم . وقال ابن رشد في كتاب « الكشف عن مناهج الأدلة » ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على الحق ، وانما هي حكمة جدلية فقط . ( 3 ) قياس المغالطة ، ومن شأنه التضليل والتلبيس ، ويسمى بالقياس السفسطائي . ( 4 ) قياس الخطابة ، وهو ان تمدح الشيء أو تذمه بألفاظ طنانة وعبارات رنانة لا شيء وراءها سوى التهويل والتهويش .